يُحظر التحرش المعنوي في العمل في بلجيكا بموجب قانون 4 أغسطس 1996 المتعلق برفاهية العمال أثناء تنفيذ عملهم، المعروف بقانون الرفاهية (loi sur le bien-être / Welzijnswet). ولكل من يتعرض للتحرش أو التنمر في العمل من قِبل زميل أو مسؤول أو طرف ثالث، كأحد الزبائن، الحق في الحماية، ويمكنه اتخاذ إجراءات داخل المؤسسة وأمام القضاء على حد سواء. يشرح هذا المقال ما يقصده القانون بالتحرش المعنوي، والإجراءات المتاحة، وكيف تتم حمايتك من الانتقام، وما التعويض الذي يمكنك الحصول عليه.
ما هو التحرش المعنوي في العمل وفقًا للقانون البلجيكي؟
يعرّف قانون الرفاهية التحرش المعنوي في العمل بأنه مجموعة تعسفية من عدة سلوكيات متشابهة أو مختلفة، داخل المؤسسة أو خارجها، تحدث خلال فترة زمنية معينة. وتهدف هذه السلوكيات أو تؤدي إلى المساس بشخصية العامل أو كرامته أو سلامته الجسدية أو النفسية، أو إلى تعريض عمله للخطر، أو إلى خلق بيئة ترهيبية أو عدائية أو مهينة أو مذلة أو جارحة. وتظهر بشكل خاص في صورة أقوال أو تهديدات أو أفعال أو إيماءات أو كتابات أحادية الجانب.
ولا يُشترط أن تكون لدى الفاعل نية الإيذاء، إذ يكفي أثر هذه السلوكيات. كما قد يرتبط التحرش بأحد معايير التمييز، مثل السن أو الجنس أو الأصل أو المعتقد الديني أو الإعاقة.
ومن الأمثلة على ذلك: التحقير أو السخرية بشكل منهجي، والعزل الاجتماعي، ونشر الشائعات، وحجب المعلومات أو المهام، أو الرقابة المفرطة والمهينة. ولا تُعدّ الواقعة المنفردة في الأصل تحرشًا معنويًا، لكنها قد تشكل عنفًا أو تحرشًا جنسيًا في العمل، وتسري عليهما الإجراءات نفسها والحماية نفسها. أما مجرد خلاف في الرأي، أو ملاحظة مبررة بشأن العمل، أو الممارسة العادية لسلطة صاحب العمل، فلا يشكل في حد ذاته تحرشًا.
التزامات صاحب العمل
يجب على صاحب العمل الوقاية من المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل، ومنها التحرش المعنوي. ولهذا الغرض يجري تحليلًا للمخاطر، ويتخذ تدابير وقائية، ويُدرج في نظام العمل الداخلي (règlement de travail / arbeidsreglement) الإجراءات المتاحة للعمال الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا. ويمكن للعمال الذين يتعاملون مع الزبائن أو غيرهم من الأطراف الثالثة تسجيل الوقائع الصادرة عن هؤلاء في سجل خاص.
وعندما يعلم صاحب العمل بوقائع تحرش، يتعين عليه اتخاذ التدابير اللازمة لوضع حد لها، حتى أثناء الفحص إذا لزم الأمر. وصاحب العمل الذي يقف مكتوف الأيدي قد تُثار مسؤوليته هو نفسه، ويتعرض لعقوبة من المستوى 3، أو من المستوى 4 إذا نتج عن ذلك ضرر بالصحة أو حادث شغل، بموجب المادة 122 من قانون العقوبات الاجتماعي (Code pénal social).
المسار الداخلي: الشخص المؤتمن ومستشار الوقاية
يجب أن يتوفر لدى كل صاحب عمل مستشار وقاية مختص في الجوانب النفسية والاجتماعية (conseiller en prévention aspects psychosociaux)، إما من داخل المؤسسة أو عبر مصلحة خارجية للوقاية والحماية في العمل. وكثيرًا ما يوجد أيضًا شخص مؤتمن (personne de confiance / vertrouwenspersoon). وكلاهما ملزم بالسر المهني. ويمكنك الاختيار بين مسارين:
- طلب غير رسمي: لدى الشخص المؤتمن أو مستشار الوقاية، في شكل محادثة، أو تدخل لدى شخص آخر في المؤسسة، أو مصالحة مع الشخص المعني؛
- طلب تدخل نفسي اجتماعي رسمي بسبب التحرش المعنوي: يُقدَّم هذا الطلب حصريًا إلى مستشار الوقاية المختص في الجوانب النفسية والاجتماعية، وليس إلى الشخص المؤتمن. ويفحص مستشار الوقاية الوقائع، ويستمع إلى الأشخاص المعنيين، ويقدم إلى صاحب العمل رأيًا يتضمن اقتراحات بالتدابير، ويتعين على صاحب العمل الرد عليه.
يسبق تقديمَ الطلب الرسمي لقاءٌ شخصي إلزامي مع مستشار الوقاية. والطلب نفسه وثيقة مؤرخة وموقعة. صِف الوقائع بأكبر قدر ممكن من الدقة، مع ذكر التواريخ والأشخاص المعنيين والشهود.
وإذا لم يتعلق الأمر بتحرش، بل مثلًا بضغط العمل أو بنزاع، فهناك طلب تدخل نفسي اجتماعي رسمي ذو طابع فردي أو جماعي في الأساس. ولا يمنح الحمايةَ الخاصة من الانتقام إلا الطلبُ المتعلق بالعنف أو التحرش المعنوي أو التحرش الجنسي في العمل.
المسار الخارجي: التفتيش والشرطة ومحكمة العمل
يمكنك أيضًا اللجوء إلى جهاز التفتيش المكلف بمراقبة الرفاهية في العمل (Contrôle du bien-être au travail)، مثلًا إذا لم يعيّن صاحب العمل مستشار وقاية أو لم يتخذ التدابير المناسبة. كما يمكن أن تكون الوقائع الخطيرة محل ملاحقة جزائية؛ وعندئذ يمكنك تقديم شكوى لدى الشرطة أو لدى نيابة العمل (auditorat du travail).
ويمكنك كذلك رفع دعوى أمام محكمة العمل (tribunal du travail / arbeidsrechtbank). ويجوز لرئيس محكمة العمل، في إجراء مماثل للقضاء المستعجل، أن يأمر بوقف التحرش، كما يجوز للمحكمة أن تحكم بالتعويض. وإذا وُجد داخل المؤسسة إجراء داخلي يمكن تطبيقه على وضعك، فقد يطلب منك القاضي اتباعه أولًا.
إثبات التحرش: نقل عبء الإثبات
غالبًا ما يصعب إثبات التحرش المعنوي. ويأتي القانون لمساعدة الضحية: فإذا أثبتَّ أمام القاضي وقائع تسمح بافتراض وجود تحرش، وجب على الطرف المدعى عليه أن يثبت عدم وجوده. ولا يسري نقل عبء الإثبات هذا في الدعاوى الجزائية. لذلك احرص على إعداد ملفك بعناية:
- الآثار المكتوبة: احتفظ بالرسائل الإلكترونية والرسائل النصية والتقارير والتقييمات؛
- سجل يومي: دوّن عن كل واقعة التاريخ والساعة والمكان وما حدث بالضبط؛
- الشهود: سجّل أسماء الزملاء الذين رأوا الوقائع أو سمعوها؛
- المستندات الطبية: يمكن لشهادات طبيبك المعالج أو طبيب العمل أو أخصائي نفسي أن تثبت الآثار على صحتك.
ما التعويض المستحق عن التحرش المعنوي في العمل؟
بصفتك ضحية، يمكنك مطالبة الفاعل بالتعويض. وتختار بين تعويض الضرر المادي والمعنوي الذي لحقك فعلًا، وعليك حينئذ إثبات مداه وعلاقة السببية، وبين تعويض جزافي. ويعادل هذا التعويض الجزافي الأجر الإجمالي لثلاثة أشهر، أو لستة أشهر:
- إذا كانت السلوكيات مرتبطة بأحد معايير التمييز؛
- إذا كان الفاعل في علاقة سلطة تجاه الضحية؛
- بسبب جسامة الوقائع.
وقد تُثار أيضًا مسؤولية صاحب العمل، مثلًا إذا لم يتخذ أي تدبير بعد الإبلاغ. وتخضع هذه المسؤولية للقواعد العامة: إذ يجب عليك حينئذ إثبات الخطأ والضرر وعلاقة السببية. لذلك وثّق بأكبر قدر ممكن من الدقة عجزك عن العمل ومصاريفك الطبية وخسارة دخلك.
الحماية من الفصل ومن الانتقام
كل من يقدم طلب تدخل نفسي اجتماعي رسمي بسبب التحرش، أو يودع شكوى لدى التفتيش أو الشرطة أو النيابة العامة أو قاضي التحقيق، أو يرفع دعوى قضائية، أو يدلي بشهادته، يتمتع بالحماية من الفصل ومن سائر التدابير الضارة المرتبطة بهذا الإجراء. ومنذ قانون 7 أبريل 2023 (الساري منذ 1 يونيو 2023)، يقع عبء إثبات الأسباب على صاحب العمل إذا فصل العامل أو اتخذ ضده تدبيرًا ضارًا خلال اثني عشر شهرًا من الوقت الذي علم فيه، أو كان بإمكانه أن يعلم بصورة معقولة، بالطلب أو الشكوى أو الشهادة (المادة 32tredecies، الفقرة 2، من قانون الرفاهية). أما إذا كان التحرش مرتبطًا بأحد معايير التمييز، فتسري الحماية المنصوص عليها في قوانين مكافحة التمييز، وهي تشمل أيضًا من يقدّم المشورة أو المساعدة أو الدعم للضحية.
وإذا اتخذ صاحب العمل تدبيرًا ضارًا خلال اثني عشر شهرًا من تقديم الطلب أو الشكوى أو الإدلاء بالشهادة، وجب عليه إثبات أن هذا التدبير لا علاقة له بالإجراء. وإذا رُفعت دعوى قضائية، يسري نقل عبء الإثبات هذا إلى غاية ثلاثة أشهر بعد أن يصبح الحكم حائزًا لقوة الشيء المقضي به.
وإذا كان التدبير غير مشروع، يمكنك أن تطلب بموجب رسالة مضمونة إعادة إدماجك في المؤسسة؛ ويجب تقديم هذا الطلب خلال ثلاثين يومًا من تاريخ الإخطار بالإنهاء مع مهلة الإشعار، أو بالإنهاء دون مهلة إشعار، أو بالتعديل الانفرادي لشروط العمل (المادة 32tredecies، الفقرة 3، من قانون الرفاهية). وإذا لم تتم إعادة إدماجك، أو لم تطلبها، يمكنك المطالبة، حسب اختيارك، بتعويض يعادل الأجر الإجمالي لستة أشهر أو الضرر الذي لحقك فعلًا. غير أن الحماية تفترض أن تتصرف بحسن نية: فمن يسيء استعمال الإجراءات بشكل واضح لا يمكنه الاحتجاج بها بسهولة.
الأسئلة الشائعة
هل يمكنني الاستقالة بسبب التحرش؟
هذا ممكن، لكنه نادرًا ما يكون أفضل خطوة أولى: إذ تفقد أجرك وقد تُصعّب حصولك على إعانة البطالة. أما إنهاء العقد من طرف العامل لسبب خطير (motif grave) فهو محفوف بالمخاطر: إذ يجب أن يتم في غضون ثلاثة أيام عمل من العلم بالوقائع، وإذا رأى القاضي أنه لم يكن هناك سبب خطير، فقد تصبح أنت نفسك مدينًا بتعويض عن مهلة الإخطار. لذا ناقش خياراتك أولًا؛ فقد يكون الإنهاء بالتفاوض أحيانًا هو الحل الأنسب.
هل يجب أن أشتكي داخليًا أولًا قبل اللجوء إلى القضاء؟
ليس دائمًا، لكن القاضي قد يطلب منك اتباع الإجراء الداخلي أولًا إذا كان موجودًا وقابلًا للتطبيق على وضعك. كما أن الطلب الرسمي كثيرًا ما يتيح وقف التحرش دون محاكمة، وتستفيد فورًا من الحماية من الانتقام.
هل يبقى بلاغي سريًا؟
يلتزم الشخص المؤتمن ومستشار الوقاية بالسر المهني، وفي الطلب غير الرسمي تقرر أنت الخطوات التي تُتخذ. أما في الطلب الرسمي بسبب التحرش، فيتم إبلاغ صاحب العمل بالطلب وبهويتك وبأنك تتمتع بالحماية، ويُبلَّغ الشخص المعني بالاتهام بالوقائع المنسوبة إليه (المواد I.3-22 وI.3-36 وI.3-37 من مدونة الرفاهية في العمل – Code du bien-être au travail / Codex over het welzijn op het werk). وهذا ضروري للفحص ولحمايتك.
ماذا لو كان المتحرش زبونًا أو شخصًا من خارج المؤسسة؟
يحميك القانون أيضًا من التحرش الصادر عن أطراف ثالثة، كالزبائن أو الموردين أو الزوار. ويمكنك تسجيل الوقائع في سجل الوقائع الصادرة عن الأطراف الثالثة، وتقديم طلب إلى مستشار الوقاية. ويتعين على صاحب العمل حينئذ اتخاذ التدابير المناسبة لحمايتك.
هل يغطي تأمين الحماية القانونية الدعوى القضائية؟
تغطي كثير من عقود تأمين الحماية القانونية نزاعات العمل، لكن ليس جميعها: راجع وثيقة التأمين والاستثناءات وفترة الانتظار المحتملة. وبمجرد أن تصبح الدعوى القضائية ضرورية، يحق لك اختيار محاميك بحرية (المادة 156 من قانون 4 أبريل 2014 المتعلق بالتأمينات – loi relative aux assurances / wet betreffende de verzekeringen). ستجد مزيدًا من التوضيحات في مقالنا حول تأمين الحماية القانونية.
مكتب Novex Advocaten إلى جانبك
نرافق العمال في إعداد ملفاتهم، وفي تقديم الطلب الرسمي، وفي الدعاوى أمام محكمة العمل، ونقدم المشورة لأصحاب العمل بشأن التزاماتهم وكيفية معالجة الشكاوى. يقع مكتبنا في Avenue Louise 379, 1050 بروكسل. اقرأ أيضًا مقالنا حول الفصل ومهل الإخطار.
اتصل على 0484 99 22 72 أو راسلنا عبر asfour@novexadvocaten.be.
المزيد عن منهجنا: محامي قانون العمل في بروكسل.
المصادر
- قانون 3 يوليو 1978 المتعلق بعقود العمل (Justel) (بالفرنسية) (تم الاطلاع عليه في 24 سبتمبر 2026)
- المحاكم البلجيكية: محكمة العمل (بالفرنسية) (تم الاطلاع عليه في 24 سبتمبر 2026)